محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
138
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وفي مسألتنا أمر بالكف عن الأئمة بالأخبار المذكورة ، وأما المعنى فإن الخوارج يقاتلون بالإمام وفي مسألتنا يحصل قتالهم بغير إمام فلم يجز كما لم يجز الجهاد بغير إمام انتهى كلامه . وقال عبد اللّه بن المبارك رضي اللّه عنه : إن الجماعة حبل اللّه فاعتصموا * منه بعروته الوثقى لمن دانا كم يدفع اللّه بالسلطان معضلة * في ديننا رحمة منه ودنيانا لولا الخلافة لم تؤمن لنا سبل * وكان أضعفنا نهبا لأقوانا وقال عمرو بن العاص لأبنه : يا بني احفظ عني ما أوصيك به : إمام عدل ، خير من مطر وبل ، وأسد حطوم خير من إمام ظلوم ، وإمام ظلوم غشوم ، خير من فتنة تدوم . قال ابن الجوزي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين التعريف والوعظ ، فإما تخشين القول نحو يا ظالم ، يا من لا يخاف اللّه ، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرها إلى الغير لم يجز ، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عند جمهور العلماء ، قال : والذي أراد المنع من ذلك لأن المقصود إزالة المنكر وحمل السلطان بالإنبساط عليه على فعل المنكر أكثر من فعل المنكر الذي قصد إزالته . قال الإمام أحمد رضي اللّه عنه : لا يتعرض للسلطان فإن سيفه مسلول وعصاه . فأما ما جرى للسلف من التعرض لإمرائهم فإنهم كانوا يهابون العلماء فإذا انبسطوا عليهم احتملوهم في الأغلب ، ولأحمد من حديث عطية السعدي : إذا استشاط السلطان ، تسلط عليه الشيطان . ووعظ ابن الجوزي في سنة أربع وسبعين وخمسمائة حضر الخليفة المستضيء بأمر اللّه وقال : لو أني مثلت بين يدي السدة الشريفة لقلت يا أمير المؤمنين كن للّه سبحانه مع حاجتك إليها ، كما كان لك مع غناه عنك ، إنه لم يجعل أحدا فوقك ، فلا ترضى أن يكون أحد أشكر له منك ، فتصدق أمير المؤمنين بصدقات وأطلق محبوسين . ووعظ أيضا في هذه السنة والخليفة حاضر قال : وبالغت في وعظ أمير المؤمنين فيما حكيته له أن الرشيد قال لشيبان : عظني . فقال : يا أمير المؤمنين لأن تصحب من يخوفك حتى تدرك الأمن ، خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى تدرك الخوف . قال : فسر لي هذا . قال : من يقول لك أنت مسؤول عن الرعية فاتق اللّه ، أنصح لك ممن يقول لك أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم . فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله ، فقلت له : في كلامي يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك ، وإن سكت خفت عليك ، وأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك . انتهى كلامه .